عيال موزا : وأي جرح عميق في خاصرة الوعي العربي

بقلم د. لولوة بنت عبدالله المسند

في زمن الامتهان والاهتراء  الاجتماعي والثقافي في الوطن العربي , اصبح اسم المرأة سبة , بل اصبح اسم المرأة الأم سبة وعار على ابنائها وعلى وطنها حتى وأن كانت امرأة جليلة نبيلة . اي سقوط مدوي للقيم والثوابت الشرعيه والمعايير الانسانيه العامه وقواعد الذوق السليم . اي شراء بأبخس الاسعار ؟ وأي بيع بالجملة يحدث للذمم ؟ وأي سوق نخاسة للقلم والفكر تجمع به افراد من الباعة  والمشترين من طوائف شتى .  فمنهم من اتي من "الكباريهات "  ليتحدث " بعنتريات"  زائفه وهو عنين العقل والخلق , ومنهن من اتت من الوسط الفني الساقط الذي  لا به فن ولا ادب او عن طريق وساطات البابا والماما ممن شربوا دماء شعوبهم بعد  ان قدموا مشروع المبادرات الجماهيريه في خمسينيات القرن , وادعوا ما ادعوا من الاشتراكيه والقوميه والوطنيه , وباعوا الوهم للجماهير العربيه ثم تحالفوا مع الشيطان ليبقوا الشعوب العربيه رهينة الفقر والتخلف والانحطاط . ومنهم من حمل قلمه  كصاحب الطبله والقرده , يدور من باب الى باب , يدق لترقص القردة بالطريقة التي يهواها المشتري , والرقص الاكثر اثارة لمن يدفع اكثر , ومنهم من اتى لابسا وشاح "المعارضة" المختلقه كراسبوتين يدعى العفه والخشوع وهو يحمل في جنباته خنجرا مسموما  يدس على حين غفلة في قلب الوطن.  اي هبوط للوعي يبرز في وسائل الاتصال الاجتاعي ليعبر عنوة عن الراي العام , اغتصابا للرأي  العام ,  الذي فضل ان يكون صامتا ازاء افتعال الكره والحقد  والعدوان "لتمشية " وتسهيل وتسيير الخطة الامبرياليه لمنطقة الخليج .
أسم المرأه الخليجيه لم يكن عارا الا في ازمان الهبوط الاممي  الذي دق اسافينه في قواعد المجتمع العربي فلا بقيت حضاره ولا بقي دين  . نحن لا نرضى بالتبريرات امام الاخر لان الاخر لم يستل سيفه ضمن قواعد المبارزة الشريفه .
تركت الكتابة منذ زمن بل على الارجح تركت النشر منذ زمن ولم احب ان اشارك في المهاترات في زمن اصبح به كل شيئ بالمقلوب واصبحت الكتابة مرتهنة بيد المدعين والمستكتبين واصبح الرأي هو ارتكاب الخطأ الجسيم  والضرر الجسيم في حق الاخر , دون اي ملاحقة  شرعية وقانونية ومؤسسيه, في وضع اشبه ما يكون بانهيار النظام العام في الوطن العربي . الا ان الالم الذي يعتصر القلب من جراء امتهاننا كافراد وكنساء , بلغ حدا جعلني اسوق هذه الخاطره التي هي اشبه بالقصة وانا ممن يحبون سرد القصص لمن يريد السماع :

هل لنا عزوة في التاريخ ؟

" ثوب النشل  الاحمر الداكن المطرز بخيط ذهبي  منصوب  ومصلوب على لوحة خشبيه ملعقة على جدار الصالة , بدا باهت اللون وباهت التطريز , وهناك شق واضح على الطرف والخرقة التى صنع منها الثوب  اصبحت رقيقة جدا  تكاد تذوب تماما  كذوبان حياة كاملة مضت , لولا هذا الحفظ الزجاجي المفاجئ . علقته حصة بنت عبدالله  , مؤطرا على جدارها محفوظا في لوحة زجاجية , هو ثوب جدتها  حصه بنت سعد  هكذا كانت تقول لها امها وربما كان ثوبا لاحدى نساء القبيله الا انه بالتاكيد هو ثوب المراة القطريه التي  مضت ولم يعد لها شيئ في قطر الحاضر الا الاحاديث والذكريات والقصص التي تحب امها وخالاتها وعماتها ان يسردنها يشئ من الفخر المتضخم احيانا . لا شك ان حصة بنت سعد  كانت امراة ثرية او انها عاشت في كنف اب او زوج ثري ,  الثراء النسبي لاناس القرن التاسع عشر في قطر . هي ثرية والا لما لبست ثوب النشل المطرز بخيوط  مذهبه , لم يجلب من القارة الهنديه الا للنساء اليسيرات  . ولكن على الرغم من ثراء حصة بنت سعد  النسبي  الا انها كانت امراة عطوفه قريبة الى اهلها وخدمها ولم تنسى  حصة بنت سعد ان المراة التي ارضعتها في الصغر كانت  "وردوه"  تصغيرا لكلمة ورده  على الرغم انها لا تحب هذا التصغير وان سمعته من النساء البالغات . نشأت ورده  في  هذه الاسرة ابا عن جد و كانت وردة مسئولة عن رعاية الاطفال  ولم تساهم في الاعمال المنزليه اليوميه  لانه كان من نصيب المساعدات الاخريات  ولم تطبخ او تنفخ , ولم تكن تتعب قدميها  في العبئ اليومي لحمل  الماء من عين حليتان القريبه , ولم تسرح لجمع حشائش الصحراء من الروض لرفد طعام  الغنم . وردة ارضعت  حصة بنت سعد  مع ولدها مرزوق كلاهما ولدا خلال وقعة  الوكرة 1284هـ/1868م  وتذكر لها امها ان ذلك اليوم كان عصيبا جدا حيث اجتمعت جميع القبائل في شبه الجزيرة القطريه على هدف واحد هو صد العدوان وقول كلمة " كفى" , كفى للوكلاء المحليون المنصبون من خارج النسيج القبلي لشبه الجزيرة القطريه  وعلى الرغم من القسمة الجغرافية القبلية الواضحه لقطر من الرأس  الى اخمص القدم  من النعيم والكبسه والكعبان والمنانعه  وفي اقصى الشمال والشمال الغربي الى المهانده  والحميدات والمريخات في الخور وما حواليها الى البوكواره في الضعاين وما حواليها الى السودان والمعاضيد   والخليفات وال سلطة والبنعلي في البدع الى البوعنين والخاطر في الوكرة  و ما حواليها ثم المناصير ما بين عريق والوكره  الى بني هاجر في  دخان وزكريت  وبقية الغرب الى المره في الجنوب الغربي  . وعلى الرغم من المناوشات المستمره فيما بينها الا ان القبائل القطريه احتفظت بوشائج نسب مستمرة ايضا , خاصة في وقت عزت فيه النساء وقل عددهن بسبب غياب العناية الصحية لما بعد الولاده  , الامر الذي دعى الى تناقصهن من جهه والى انتقالهن ما بين القبائل عند موت الازواج . لقد كان وقتا تتدلل فيه المرأه على الخطاب وتختار من بينهم وقد تتزوج المرأه احيانا في دورة حياتها بست رجال .
من قال ان حصة بنت سعد وقريناتها  من نساء القرن التاسع عشر كن على درجة ادنى من الرجال , بل هن مخدومات محشومات غاليات عند ذويهن ولهذا يعتزي الرجال باسمائهن " وانا اخو حصة " قمة الشعور بالفخر لانه ينسب نفسه لها وليس العكس ويذكر اسمها في محافل الرجال دون الشعور بالخزي الذي يشعر به بعض ذكور جيلنا المعاصر عندما يذكر اسم امه او اخته فالام  والزوجه يكنى لهما ب "الاهل "  كلمه عامة يدرج تحتها جميع الاقارب والاخت يكنى لها ب " الرضيعه " اي من شاركته ثدى امه . لم يشعر رجل القرن التاسع عشر بالخجل من ذكر اسم اخته والا فلم  سميت افخاذ بعض القبائل باسماء النساء الراعيات للاسر . لم تكنى القبيله بكلمة ذوي  "فلانه " اي اهلها  , وانما التحقت القبيله كاملة باسم المرأه والشواهد على ذلك في اعراف الجزيرة العربيه واضحه ال جهينه , وال عبيدة  من قحطان التي انتسب لها جميع ابناءها من ازواجها المختلفين وذراريهم من بعدهم , وفي قطر ال بو عفرا في البوكواره وال قمزة في شهوان وال عذبه في المره . تقول شيخه وهي امراه في الثمانين تفسيرا لهذه الظاهره ان المرأه التي تترمل  فلا تتزوج وتقود زمام العائله  بعد وفاة  زوجها  ولا تلجا الى كنف زوج يضمها هي وابناءها وانما تكتسب تلقائيا دور الام والاب  فينسب لها البيت وتنسب لها الاسرة ومن ثم الفخيذه التي تتكون من الذرية اللاحقه ومن ثم  تنتسب القبيلة  للمرأه التي تتكون من لحمة الدم ولحمة المصاهره او لحمة الانتساب بالاتفاق  " ذبح شاة الغرم " . هذه  النوعية من النساء بالضرورة ليست ضعيفه ولا تشعر بالضعف او الدونيه ولم يتخلل عقلها اي من الادبيات  النسوية المعاصرة بانها حالة "خاصة"  منقطعه عن باقي المجتمع بل هي من تكون المجتمع وتقوده بذكاء نحو ما تريد , المجتمع الذي تأطر في شكلة وحدة سياسيه اولى هي القبيله . نظرة المرأه لنفسها هي نقطة البداية للفعل الذي تتبناه المرأه سالب او موجب . لو سمعت حصه بنت سعد ادبيات النسويات لاستلقت من الضحك على قفاها او لرسمت علامة استغراب كبيره وقالت " ذي المراه وش علتها " . لا تعلم حصة ان النساء المعاصرات غير نسائهن والرجال  المعاصرون غير رجالهن . قوامة الرجل على حصه وقريناتها هي قوامة مادية فقط وليست قوامة في مستوى الخلق والتكوين وقوامته هي قوامه حمائيه في مجتمع اعتمد على ذاته في حماية نفسه وانه حتى يمكن ان تسنح الفرصه لبناء القبيله كان لابد من تكامل الادوار بينها وبين الرجل .
وقد يرى بعض "النسويين " ان قبول المرأه لواقعها الاجتماعي ورضاها به وانسجامها النفسي معه  هو علة في المرأه على الرغم من  كونها انسان على قدم المساواة من منطلق ان النساء هم شقائق الرجال وانه لا تفاضل بينها وبين الرجل الا بدرجة التقوى وهي في نفس الوقت ام وزوجة وابنه . ان نساء القرن التاسع عشر لم يشعرن باى صراع داخلي بين الكينونة كانسان والكينونة كفرد في الاسرة والمجتمع وانه وان اظهرت المرأه ذاتها  تفضيلها انجاب البنين على البنات انما هو انعكاس لحاجة عملية بحته ومصلحيه بحته حيث ان وسائل جلب الرزق آناها ووسائل الانتاج تتطلب بنية وظروفا لا قبل للمرأه بها وهو ليس انعكاسا للاضهاد الذاتي الذي تمارسه المرأه على نفسها . ولذا فان المراه تفاضل ما بين مصالحها في انجاب الولد او انجاب البنت ثم تعود لتفضل انجاب البنت من وجهه مصلحيه بحته:
"يوم قالوا لي غلام
فز قلبي وقام
ويوم قالوا لي بنيه
اظلمت داري عليه
فردت الرضيعة في مهدها :
يمه لا باس لاباس
انا حمالة القربه
وانا فلاية الراس
وانا حفاظة سديدك
ليمن باحوا به الناس "
لذا فليس كل ذكورية تعني السمو والارتقاء  وليس كل انوثة تعنى  الضعف والوهن والعار .
عيال موزا , عيال فاطمة , اخوان روضه , اخوان شما , واخوان نوره انما تسطير لوعي اجتماعي  لا يرى في اسم المرأه سبة بل شرف  واعتداد  حيث يزهم باسمها اثناء الحروب واثناء الضيق ,هو اقصى واعز كنية للرجل يكنى بها نفسه في اللحظات العسرة التي يبحث  فيها كل رجل عن انتماء .